محمد طاهر الكردي
20
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ونضجت الحياة العقلية في قريش نضجا نستطيع أن نلمسه في أمثالها الشائعة وحكمها المشهورة : " من أجمل قليلا سمع جميلا ، أنفك منك وإن كان أذن ، إن البلاء موكل بالمنطق ، بيني قصرا ويهدم مصرا ، الجزاء من جنس العمل ، الجهل شر الأصحاب ، حسبك من شر سماعه ، حظ في السحاب وعقل في التراب ، ما حيلة الرامي إذا انقطع الوتر ، لا يخلو المرء من ودود يمدح وعدو يقدح ، من خان هان . إذا أراد اللّه هلاك نملة أنبت لها جناحين ، كما تزرع تحصد ، من سابق الدهر عثر ، سلاح الضعفاء الشكاية ، عند الصباح يحمد القوم السرى ، رب عتق شر من رق ، أعقل الناس أعذرهم للناس ، لكل عود عصارة ، ما كل عورة تصاب ، عين الهوى لا تصدق ، غدرك من ذلك على الإساءة " . واتسعت أسواق مكة التجارية للتنافس بين مفكريها من الشعراء وأصحاب البيان ، فكانت ملتقى الخطباء من سائر بلاد العرب ، وكانت مجالا ثقافيا لم يسبق له نظير بين دول اليمن في الجنوب وحكام الحيرة وغسان في الشمال ، وفي مظان التاريخ المطولة من أخبار عكاظ وغيرها ما يغني عن الإفاضة . ويقول أيضا عن الناحية الإدارية : ذكرنا أن قصيا كان أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا فكانت إليه الحجابة والرفادة والسقاية والندوة والقيادة وسمى قصي مجمعا ، لأنه جمع قريشا بمكة ، وسميت قريش في ذلك العام قريشا ، لأنها تجمعت والتجمع التقرش في بعض كلام العرب ولم يسم قرشي قبل ذلك . وكان قصي عمليا أكثر مما كان يظنه قومه ، فإنه ما كاد يستلم زمام الحكم في مكة حتى أسس دار الندوة لشورى قريش ، ولم يكن يدخلها من قريش إلا من بلغ الأربعين ، كما كان أورستقراطيا لأنه أباح لأولاد قصي دخولها كما شاءوا بلا فارق في السن . وعنى قصي بسقاية الحجاج فاتخذ لهم حياضا من أدم توضع بفناء الكعبة ، ويسقى فيها الماء العذب من الآبار محمولة على الإبل من أطراف مكة البعيدة ، كما عنى بتتبع مظان الماء العذب في مكة ، فحفر بئر العجول وهي في المكان الذي يمتد فيه رواق المسجد اليوم مما يلي باب الحميدية وباب الوداع ، وحفر بئرا عند الردم بجانب مسجد الراية وهي البئر الموجودة اليوم في " الجودرية " في الزقاق الواقع أمام قصر النيابة ، وسمي بئر جبير بن مطعم لأن جبيرا هذا نثله بعد أن اندثر ،